Take a fresh look at your lifestyle.

الشيف كرماس تكتب عن “فن الطعام بين درك الشهوات وطلب الآخرة والعبادات”

0

الشيف لمياء كرماس:

الحمد لله الذي أحل لنا الطيبات و حرم علينا الخبائث و جعل ذلك من صفات نبيه صلى الله عليه و سلم المذكورة في محكم آياته: (( الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة و الإنجيل يأمرهم بالمعروف و ينهاهم عن المنكر و يحل لهم الطيبات و يحرم عليهم الخبائث)) صدق الله العظيم.

من بين الأسئلة المتداولة بين غير قليل من المهتمين بالعلوم الشرعية سؤال:
“مكانة تجلي صحبة الصالحين في إتقان فن الطعام و جدواه و جماليته و شكله”.

أستشف في كثير من المواطن المكتوبة و المسموعة من بعض الزاهدين أصدقاء كانوا أو زملاء أو أقارب فهماً لحرفة الطعام أنها حرفة شهوة و بطن و مدخل من مداخل الشيطان و باب منه تهوي النفس في السفاسف و دركاتِ أذى الروح و الأبدان!!

ليس الاهتمام بفن الطعام غفلة عن ركب الصالحين و النورانيين ممن يقضون ساعاتهم بين كتب الطبراني و ابن الجوزي و ابن كثير و ابن عثيمين و غيرهم من علماء الأمة قديمهم و حديثهم رحمة الله عليهم أجمعين.. و ليس الاهتمام بفن الطعام فن يشجع على فتور همة العبادة لانشغال صاحبه بشغل المعدة و التخمة و السكر و الطير و اللحم و ما لذ و طاب!!

قال أحد السلف الصالح: “إني لأحتسب لله أكلتي و شربتي كما أحتسب نومتي و قومتي”.. ولهذه الفلسفة الأثر الكبير في ترشيد نظرة المسلم للغذاء و ترشيد التعامل معه. فهو وسيلة لا غاية يجهد في سبيل تحقيقها: إشباعا لرغباته وشهواته.


اهتمام الأم بغذاء عيالها بمكوناته و زينته و اهتمام الزوجة بأذواق أهل بيتها و العناية بالصحن و المائدة و لو كان حساء ذرة بماء فهو فنّ طعام و قبله عبادة تنال بها الرضا و الأجر إن سبقتها النية و عبادة خدمة الأهل و رعايتهم!
أما اهتمام العامل بهذه الحرفة فهو أمر فني علمي و باب عبادة عظيم إن شاء، و هنا أجيب السائلين:
إن صحبة الصالحين و الأخيار لها أثر في كل حياة المؤمن، و بوار هي تلك الصحبة إن لم تزرع أخلاقا طيبة في معاملات المسلم مع المسلم، بوار هي تلك الصحبة إن لم تنبت صدقا و إحسانا.

ترقي المؤمن في درجات الإيمان و الإحسان يوجب معه الترقي في صناعة دنياه.. فيطلب الآخرة بأعمال الدنيا.. ليجعل من مهنته عبادة يطلب بها وجه الله ليس حصرا في الكسب الحلال و الإنفاق على الأهل إنما أيضا في تفاصيل ممارسة الحرفة.. قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ((خير الكسب العامل إذا نصح))- رواه أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه- و النصح في مهنة الطباخ المؤمن يبدأ باستشعار عظمة الخالق في ما خلق في الأرض من طيبات: نبات و طير و لحم و سمك و عسل و لبن و ماء…، التفكر في خلقها و ألوانها و تصنيفها و تشابهها و اختلافها.. قال سبحانه و تعالى في سورة فاطر: ((ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها و من الجبال جدد بيض و حمر مختلف ألوانها وغرابيب سود و من الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء)).


من موجبات التمكن في حرفة فن الطعام الإلمام بأصل المواد و تركيبتها ليتمكن المحترف بعدها من صناعة أطباق تحترم البدن و تصونه و تعزز الذوق و تمتعه، فكيف بالعامل و هو يذكر اسم الله و يستحضر جلال خلقه و هو يعالج ما يعالج من الطيبات أن لا يكون بذلك من أهل الذكر و إن كان لباسه وزرة و ليس جلبابا و قبلته الفرن لا الكعبة.. ((فأينما تولوا فثم وجه الله)).. ثبوت هذه النية يسوق إلى احترام المنتوج و عدم الإسراف فيه أو تبذيره تقديرا له لأنه رزق الله و خلق الله.

يتبع هذه المرتبة مرتبة أخرى هي الحرص على تجويد العمل و إتقانه:
أؤمن أن حب العمل هو مفتاح النجاح فيه عموما و أؤمن خصوصا أن الحرف اليدوية إن لم يكن دافعها الحب و الاهتمام فلا حاجة للعامل فيها أن يقضي عمره بين الجلود أو الأخشاب أو التراب أو اللحوم يندب ساعات عمله و عمره و يندب معهما كل من كان سببا له في شقائه و سوء حظه!!


حب فن الطعام باب للإحسان فيه و إليه.. كما ذكرت سالفا أن المؤمن غايته الإحسان، فهو لا يرضى بعمله منقوصا و لا يقبله إلا أن يكون متكاملا تاما محتوى و شكلا، يعكس حبه و إيمانه و أخلاقه.. عمل يكون له رحمة، قال رسول الرحمة صلوات ربي عليه:(( رحم الله امرء عمل عملا فأتقنه)) و ما أحوجنا في زمننا هذا أن نجود أعمالنا اليدوية و المكتبية و الثقافية و العلمية.. و لا صحوة أو قومة لنا و ما زلنا نطلب الجودة عند غيرنا و ضعفها عندنا ينخرنا و يثبط سيرنا.

و مرتبة أخرى و ليست أخيرة أختم بها هي اهتمام الطباخ بجمالية الصحن و شكله، إنما هي موهبة لها أصلها و تتطور مع الاطلاع و البحث و الممارسة.. الأصل عند المؤمن هي تمام إنسانيته بثبات أخلاقه و سلامة نيته و صحبته.. تمام الإنسانية أصلها الحفاظ على الفطرة السليمة التي لا تميل إلا للجميل صورة و صوتا و حسا و روحا و تنفر من كل شاذ في المعنى و المنظور.. و لا يكتمل إحسان الطباخ إلى طبخه إلا بتقديمه بشكل يعكس كل ما سبق..
هي رحلة عبادة مع كل طبق، رحلة تفكر و بسملة و حمد و تسبيح.
فسبحان من عدد لعباده أسباب ذكره وجعل عنايتنا بأعمال دنيانا بابا لرحمته في الآخرة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.